عاشت أسرة أحمد، الطالب بجامعة الزقازيق، أكثر من عام ونصف العام في حالة من القلق المؤلم، لا تعرف إن كان ابنها بخير، ولا أين يُحتجز، ولا حتى الجهة التي تحتجزه. وتروي الصحفية في تقرير نون بوست كيف بدأت المأساة في إحدى ليالي صيف 2022، حين اقتحم خمسة رجال ملثمين ومدججين بالسلاح منزل الأسرة في إحدى قرى محافظة الشرقية، واقتادوا أحمد، الذي لم يكن قد أتم عامه العشرين، دون تقديم أي تفسير أو معلومات تساعد أسرته على معرفة مصيره.


ووفقًا لما أورده نون بوست تتناول القضية استراتيجية الإنكار التي تتبناها السلطات المصرية في التعامل مع بلاغات الاختفاء القسري، والأسس القانونية والسياسية والأمنية التي تستند إليها. ويسلط التقرير الضوء كذلك على المعاناة الإنسانية للأسر التي لا تطالب في البداية سوى بمعرفة مكان ذويها، والجهة التي احتجزتهم، وما إذا كانوا لا يزالون على قيد الحياة.


 

السجلات الرسمية والاتهامات السياسية.. ركائز إنكار الاختفاء القسري في مصر


في الساعات الأولى لاختفاء أحمد، اعتقد شقيقه الأكبر أن الأمر لا بد أن يكون خطأ. وبحسب الأسرة، لم يشارك أحمد في أي نشاط سياسي أو تنظيمي، ولم يكن له سجل جنائي يفسر طريقة القبض عليه. وفي صباح اليوم التالي، توجه شقيقه إلى قسم الشرطة المختص، لكن الإجابة التي تلقاها زادت مخاوف الأسرة؛ إذ أكد المسؤولون أنهم لا يعرفون شيئًا عن أحمد، وأنه ليس محتجزًا لديهم، بل إن الرجال الذين اقتادوه لا ينتمون إلى القسم.


بدأت بعدها رحلة بحث مرهقة شملت أقسام الشرطة ومراكزها في أنحاء محافظة الشرقية، ثم مديرية الأمن العام في الزقازيق ومقر جهاز الأمن الوطني هناك. كما أرسلت الأسرة عشرات البرقيات والالتماسات العاجلة إلى وزير الداخلية ورئيس الوزراء ورئيس الجمهورية، لكنها كانت تتلقى الإجابة نفسها تقريبًا: لا توجد معلومات عن ابنكم، ولا توجد سجلات تشير إلى احتجازه لدينا.


وبعد نحو 18 شهرًا، تلقت الأسرة اتصالًا مفاجئًا من شخص مجهول أخبرها بأن أحمد سيُعرض على نيابة أمن الدولة خلال ساعات، لتبدأ مرحلة جديدة من المعاناة.


ويشير التقرير إلى أن الخطاب الرسمي المصري بشأن الاختفاء القسري يستند، منذ عام 2013، إلى إنكار وقوع حالات اختفاء قسري بالمعنى الذي تستخدمه المنظمات الحقوقية، والتأكيد أن جميع حالات الاحتجاز المثبتة تجري في إطار قانوني معلن وتحت إشراف الجهات القضائية المختصة.


وتقوم الركيزة الأولى لهذا الخطاب على الاعتماد على السجلات الرسمية باعتبارها المرجع الأساسي لإثبات وقوع الاحتجاز. ففي رد قدمته مصر إلى لجنة الأمم المتحدة لحقوق الإنسان عام 2022، أكدت الحكومة أن مراكز الإصلاح والتأهيل لا تحتجز أي شخص دون أمر أو حكم قضائي، وأن دخول المحتجزين إليها يخضع لقرارات صادرة عن جهات مختصة. كما أشارت إلى أن هذه المنشآت أُنشئت وفقًا لقرارات قانونية، وأن الجهات الرقابية والجمهور على علم بها.


وكررت الحكومة الموقف نفسه في ردها على لجنة الأمم المتحدة لمناهضة التعذيب عام 2023، مشيرة إلى احتفاظ أماكن الاحتجاز بسجلات للنزلاء والزيارات والملفات القضائية، تخضع لإشراف النيابة العامة وتفتيشها، ونفت وجود أماكن احتجاز خارج الإطار القانوني.


لكن هذا المنطق يثير مفارقة أساسية، بحسب التقرير؛ فالشكوى من الاختفاء القسري تقوم تحديدًا على احتمال احتجاز شخص خارج الإطار الرسمي، دون تسجيل احتجازه أو الكشف عن مكانه. وبالتالي، لا يكفي غياب الاسم عن السجلات لنفي الواقعة، بل يطرح سؤالًا جوهريًا: أين يوجد الشخص إذا لم يكن مسجلًا؟ ومن يحتجزه؟ ولماذا لا تستطيع أسرته ومحاموه الوصول إليه؟


أما الركيزة الثانية، فتتمثل في تحويل النقاش من مصير الشخص المختفي إلى هوية من يتقدمون بالبلاغات أو الجهات الحقوقية التي توثق الحالات. إذ تصف بعض الردود الرسمية الشكاوى بأنها جزء من حملات تستهدف تشويه صورة الدولة في الخارج، أو تربطها بجماعات معارضة، وفي مقدمتها جماعة الإخوان المسلمين وغيرها من الجهات التي تعتبرها السلطات خصومًا سياسيين أو تهديدات أمنية.


وفي ردها على تقرير المجلس القومي لحقوق الإنسان بشأن الاختفاء القسري خلال عامي 2015 و2016، قالت وزارة الداخلية إنها لا تملك معلومات عن بعض الحالات، وأكدت أنها لم تقبض على أصحابها، بينما طرحت احتمالات أخرى، من بينها السفر إلى مناطق النزاع أو الارتباط بجماعات مسلحة.


كما ذكرت الحكومة، في ردها المقدم إلى لجنة الأمم المتحدة لحقوق الإنسان عام 2022، أن جماعة الإخوان أرسلت بعض أعضائها إلى جماعات مسلحة بالخارج، ثم استغلت بلاغات الاختفاء القسري للضغط السياسي على الدولة. وأضافت أن تحقيقات كشفت، في بعض الحالات، وجود أشخاص أُبلغ عن اختفائهم ضمن صفوف تنظيم الدولة الإسلامية «داعش».


واتخذت الهيئة العامة للاستعلامات موقفًا مشابهًا في ردودها على تقارير إعلامية وحقوقية دولية، إذ شككت في منهجيات بعض التقارير ومصادرها، وانتقدت اعتماد تقرير لهيئة الإذاعة البريطانية «بي بي سي» على شهادات أشخاص لم تُكشف هوياتهم. كما اتهمت بعض المنظمات الحقوقية التي توثق حالات الاختفاء بوجود صلات سياسية بينها وبين جماعة الإخوان، وانتقدت ما وصفته بانحياز منظمة هيومن رايتس ووتش واعتمادها على مصادر متعاطفة مع المعارضة.

 


عبء الإثبات ومعاناة الأسر.. حين تصبح الأدلة بعيدة المنال


تتمثل الركيزة الثالثة في تحميل الأسر عبء إثبات الاختفاء القسري، رغم أن طبيعة الواقعة تقوم على غياب المعلومات الرسمية. فغالبًا ما يُطلب من الأسرة تقديم تفاصيل دقيقة عن الجهة التي نفذت القبض، وطبيعة القوة المشاركة، والمسار الذي سلكه المحتجز بعد القبض عليه، ومكان احتجازه المحتمل.


وقد يُطلب منها أيضًا إثبات دخول الشخص إلى منشأة احتجاز أو تحديد مواقع يمكن مراجعة سجلات الدخول والخروج أو تسجيلات كاميرات المراقبة فيها. غير أن كثيرًا من هذه الأدلة موجود لدى مؤسسات الدولة نفسها، بما يشمل سجلات الاحتجاز وتحركات القوات والمعلومات المتعلقة بالمقار الأمنية والتسجيلات المرئية.


وهنا تنشأ حلقة مفرغة: تستند الجهات الرسمية إلى غياب تسجيل الاحتجاز باعتباره دليلًا على عدم وقوعه، بينما ترى الأسر والمنظمات الحقوقية أن غياب التسجيل هو جوهر الشكوى التي تستدعي التحقيق. وبذلك يصبح تقديم الأدلة عقبة إجرائية، إذ يُطلب من الأسرة إثبات واقعة يُشتبه في حدوثها خارج الإجراءات الرسمية، باستخدام وثائق لا تملك الوصول إليها.


وفي ردها على أسئلة الاستعراض الدوري الشامل عام 2019، قالت النيابة العامة إن التحقيقات أثبتت عدم صحة معظم ادعاءات الاختفاء القسري، وعزت بعض حالات الغياب إلى السفر غير المنتظم أو الانضمام إلى جماعات مسلحة أو أسباب اجتماعية. كما نفت وجود أماكن احتجاز سرية.


وفي الوقت نفسه، أكدت النيابة استعدادها لفحص أي بلاغ عن الاختفاء القسري «إذا قُدمت أدلة كافية على وقوعه». ويثير هذا الشرط تساؤلًا أساسيًا: كيف تستطيع الأسر تقديم أدلة تفصيلية عن مكان الاحتجاز أو الجهة المسؤولة، بينما تظل هذه المعلومات بعيدة عن متناولها وتتركز لدى المؤسسات الرسمية؟


ويرى حقوقيون أن طبيعة الاختفاء القسري تفرض على الجهات التي تملك سلطة الاحتجاز والإشراف عليه مسؤولية أكبر في كشف الحقيقة، بدلًا من إلقاء العبء كاملًا على أسر لا تملك الأدوات اللازمة للوصول إلى المعلومات.


ولا يقتصر الأمر على الجانب الإجرائي؛ فالتراجع عن الإنكار الرسمي قد يفتح الباب أمام أسئلة قانونية وسياسية واسعة، تتعلق بالجهات التي أصدرت الأوامر، والأفراد الذين نفذوها، والأماكن التي احتُجز فيها المختفون بعيدًا عن الرقابة القانونية، فضلًا عن احتمال مراجعة محاضر القبض والإجراءات المرتبطة بها ومساءلة مسؤولين أمنيين وقيادات وربما شخصيات سياسية.


ويشير التقرير إلى أن الاعتراف بوقوع حالات اختفاء قسري قد يقوض الخطاب الأمني والسياسي الذي تبنته السلطات منذ عام 2013، والقائم على التأكيد أن جميع حالات القبض والاحتجاز تخضع للقانون. كما قد يترتب عليه تصاعد الضغوط القانونية والسياسية من المنظمات الحقوقية والمؤسسات الأممية، بما يحمل الدولة تكاليف دبلوماسية وقانونية محتملة.


ومن هذا المنظور، يرى التقرير أن الإنكار لم يعد مجرد رد دفاعي على الاتهامات، بل تحول إلى استراتيجية سياسية وأمنية تهدف إلى حماية الرواية الرسمية وتجنب المسؤوليات التي قد تترتب على الاعتراف.

 


أكثر من 500 يوم من البحث.. الثمن الإنساني للاختفاء القسري


قضت أسرة أحمد أكثر من 500 يوم تبحث عن أي أثر لابنها قبل ظهوره أمام نيابة أمن الدولة، بعد نحو عام ونصف العام من اختفائه. وقال شقيقه الأكبر لنون بوست إن هذه الفترة استنزفت الأسرة نفسيًا وماليًا إلى حد يفوق قدرتها على الاحتمال، بينما تعرضت شقيقته الكبرى لأزمة نفسية حادة نتيجة الانتظار الطويل والقلق المستمر.


وأوضح شقيق أحمد أن الأسرة كانت تزور أقسام الشرطة وأماكن الاحتجاز في المحافظة كل أسبوع أو أسبوعين، بمرافقة محامٍ يتقاضى أجرًا عن كل رحلة. وكانت تتلقى أحيانًا اتصالات تزعم أن أحمد محتجز في مكان معين، فتستأجر سيارة وتقطع عشرات الكيلومترات، لتصطدم مجددًا بإنكار وجوده. وفي بعض الأحيان، طلب أفراد من الأجهزة الأمنية أموالًا مقابل معلومات قد تكون لديهم عنه.


ومع مرور الوقت، لم يعد القلق وحده مصدر المعاناة؛ فقد استنزفت نفقات التنقل وأتعاب المحاماة والمدفوعات الأخرى مدخرات الأسرة. وقال شقيق أحمد إن بعض ضباط الشرطة طلبوا منهم ببساطة «نسيان الموضوع» والانتظار في المنزل حتى يتلقوا اتصالًا عند عرضه على النيابة، وكأن غيابه الطويل أصبح أمرًا اعتياديًا لا يحتاج إلى تفسير.


وخلال زياراتهم المتكررة لمديرية أمن الشرقية، اكتشف أفراد الأسرة أنهم ليسوا وحدهم؛ فقد التقوا أسرًا أخرى تحمل صور أبنائها وتطرح الأسئلة نفسها. وكانت أشد القصص إيلامًا، بحسب شقيق أحمد، قصص أشخاص اختفوا منذ ثماني أو عشر سنوات، ولا تزال أسرهم تجهل أماكنهم أو ما حدث لهم.


وفي ظل غياب المعلومات المؤكدة وانعدام الإجابات الواضحة، وصل يأس الأسرة إلى مرحلة قاسية. ويكشف شقيق أحمد عن شعور صادم راودهم أحيانًا: تمنوا لو عرفوا أن ابنهم قد مات، حتى تنتهي حالة الانتظار التي تلتهم حياتهم يومًا بعد يوم. فقد ظلوا عالقين بين الأمل في تلقي خبر يؤكد أنه على قيد الحياة والخوف من أن يأتي الاتصال التالي ليطلب منهم استلام جثمانه.


ويطرح التقرير في ختامه أسئلة إنسانية وسياسية مؤلمة: متى تنتهي معاناة الضحايا وأسرهم، بينما تستمر آثارها لسنوات؟ وما الذي قد يدفع السلطات إلى وقف الممارسات التي تصفها الأسر والمنظمات الحقوقية بالاختفاء القسري، حتى في الحالات التي لا يكون فيها للمختفين نشاط سياسي يُذكر؟ وأي مبرر يمكن أن يفسر استمرار معاناة كهذه، بما تخلقه من خوف وردع داخل المجتمع؟


كما يطرح تساؤلًا بشأن المكاسب التي يمكن أن تحققها أي سلطة من إهدار سنوات من حياة المحتجزين وأسرهم في البحث عن معلومة لا تصل، أو رقم احتجاز غير موجود، أو سجل اختفت آثاره. فكيف يمكن بناء الاستقرار على القلق والانتظار، بينما تظل معرفة مصير الإنسان مطلبًا مؤجلًا، وتتحول الحقيقة إلى حق محروم منه؟

 

https://www.noonpost.com/en/385979/amp/